عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

441

اللباب في علوم الكتاب

ثم قال : فإن قيل : أليس أنّه لو قيل : آتنا الحسنة في الدّنيا والحسنة وفي الآخرة ، لكان متناولا لكلّ الأقسام ، فلم ترك ذلك وذكره منكّرا ؟ وأجاب « 1 » بأن قال : إنّا بيّنّا أنّه ليس للدّاعي أن يقول : اللهم أعطني كذا وكذا ، بل يجب أن يقول : اللّهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي ، وموافقا لقضائك وقدرك ، فأعطني

--> - ونصّ عليه سيبويه ، فإنه قال : قولك شربت ماء البحر محكوم بفساده ؛ لعدم الإمكان ، ولولا اقتضاؤه العموم ، لما جاء الفساد . لكن اختلف أصحابنا في أن العموم فيه من حيث اللفظ أو المعنى على وجهين ، حكاهما الشيخ أبو حامد ، وسليم الرازي في « التقريب » ، وابن السّمعاني في « القواطع » ، وصحّح ابن السّمعاني أنه من حيث المعنى ، وكأنه لما قال : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [ سورة المائدة : 38 ] فهم أن القطع من أجل السّرقة . وصحّح « سليم » أنه من جهة اللفظ ؛ لأن اللام إما للعهد وهو مفقود ، فبقي أن يكون لاستغراق الجنس ، وذلك مأخوذ من اللفظ ، وشرط بعضهم لإفادته العموم أن يصلح أن يخلف اللام فيه « كل » ؛ كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ سورة العصر : 2 ] ولهذا صحّ الاستثناء منه . والثاني : أنه يفيد تعريف الجنس ، ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل ، وحكاه صاحب « المعتمد » عن أبي هاشم ، وحكاه صاحب « الميزان » عن أبي علي الفارسي النحوي ، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعه ، وحكى بعض شراح « اللمع » عن الجبائي أنه على العهد ، ولا يقتضي الجنس ، قال : وحقيقة هذا القول أنه إذا لم يعرف عين المعهود ، صار مجملا ، لأنه لا يعرف المراد إلا بتفسير ، وهذا صفة المجمل . والثالث : أنه مشترك يصلح للواحد والجنس ، ولبعض الجنس ، ولا يصرف إلى الكل إلا بدليل ، وحكاه الغزالي ، وقال الأستاذ أبو إسحاق : ذهب بعض أصحابنا إلى أنه مجمل يحكم بظاهره ، ويطلب دليل المراد به . والرابع : التفصيل بين ما فيه الهاء ، وبين ما لا هاء فيه ، فما ليس فيه الهاء للجنس عند فقدانها ، وفي القسم الآخر التوقف ، ونقله الأبياري عن إمام الحرمين ، وقال : إنه الصحيح ، والذي في « البرهان » ونقله عنه المازري : أنه إن تجرد عن عهد ، فللجنس ؛ نحو : الزانية والزاني ، وإن لاح عدم قصد المتكلم للجنس ، فللاستغراق ، نحو : الدينار أشرف من الدرهم ، وإن لم يعلم هل خرج على عهد أو إشعار بجنس ، فمجمل ، وأنه حيث يعم لا يعم بصيغة اللفظ ، وإنما ثبت عمومه ، وتناوله الجنس بحالة مقترنة معه مشعرة بالجنس . الخامس : التفصيل بين أن يتميز لفظ الواحد فيه عن الجنس بالتاء ؛ كالتمر والتمرة ، فإذا عرّي عن التاء ، اقتضى الاستغراق ؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( لا تبيعوا البر بالبر ، والتمر بالتمر ) . قال في « المنخول » : وأنكره « الفرّاء » مستدلا بجواز جمعه على « تمور » ، وردّ بأنه جمع على اللفظ لا المعنى ، وإن لم تدخل فيه التاء للتوحيد ، فإن لم يتشخص مدلوله ، ولم يتعدد ؛ « كالذهب » فهو لاستغراق الجنس ؛ إذ لا يعبر عن أبعاضه بالذهب الواحد ، وإن تشخّص مدلوله وتعدد ؛ كالدينار والرجل ، فيحتمل العموم ، نحو : « لا يقتل المسلم بالكافر » ، ويحتمل تعريف الماهية ، ولا يحمل على العموم إلا بدليل ، وإنما يفهم الجنس في قولك : الدينار أفضل من الدرهم ، بقرينة التّسعير . ينظر : البحر المحيط 3 / 97 - 100 . ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 161 .